الأمن والجريمة حول العالم
العربية

من عدّ الجرائم إلى بناء القدرة على الصمود: ماذا تكشف بيانات الأمان اليابانية؟

متابعة الإحصاءات العالمية حول الأمن والجريمة

الرئيسية / مقالات

الأمان ليس مقياساً واحداً

عند الحديث عن الأمن والسلامة، ينصرف الاهتمام غالباً إلى الجرائم الخطيرة أو إلى صورة الشرطة في الشارع. لكن المواد الإحصائية اليابانية المتاحة تفتح زاوية أوسع: فالأمان يظهر أيضاً في قدرة المؤسسات على استقبال قضايا الاشتباه، وإنهاء معالجتها، وتوثيق أضرار الزلازل والحرائق، ومراقبة مخاطر الحرارة.

هذه الزاوية مهمة للقراء في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لأن السلامة العامة لا تتعلق بنوع واحد من المخاطر. فالمجتمع يحتاج إلى مؤسسات تتعامل مع الملفات الجنائية اليومية، كما يحتاج إلى معرفة ما يحدث للمباني والبنية العمرانية عند وقوع كارثة، وإلى بيانات تساعد على فهم تأثير الحرارة في الحياة اليومية.

عبء القضايا أمام أجهزة العدالة

وفق بيانات «إحصاءات النيابة» التابعة لوزارة العدل، بلغ إجمالي القضايا المشتبه بها المقبولة، مع استبعاد قضايا الوفاة أو الإصابة غير العمدية الناتجة عن السيارات وغيرها من مخالفات قانون المرور، 358291 شخصاً في عام 2024 ضمن الفترة المسجلة 201601-201612. وكان العدد المقابل 348135 شخصاً في عام 2023 ضمن الفترة نفسها.

أما القضايا التي أُنجزت معالجتها، فقد بلغ مجموعها 339315 شخصاً في عام 2024، مقابل 330518 شخصاً في عام 2023، مع تطبيق الاستبعادات نفسها والفترة الإحصائية نفسها.

المؤشرعام 2023عام 2024
القضايا المقبولة، باستثناء مخالفات المرور المحددة348135 شخصاً358291 شخصاً
القضايا المنجزة، باستثناء مخالفات المرور المحددة330518 شخصاً339315 شخصاً

لا تعني هذه الأرقام وحدها أن المجتمع أصبح أكثر أمناً أو أقل أمناً، ولا تسمح بإصدار حكم على كل قضية أو على كل منطقة. لكنها تُظهر حجم العمل الذي يدخل إلى نظام العدالة، وحجم الملفات التي تصل إلى مرحلة المعالجة المنجزة. ومن منظور السلامة العامة، فإن انتظام تسجيل هذه الحركة الإحصائية يوفر أساساً لمراقبة الضغط المؤسسي وفهم الاتجاهات، من دون اختزال الأمن في حادثة واحدة أو في الانطباعات اليومية.

كما أن استبعاد مخالفات المرور المحددة يوضح ضرورة قراءة كل جدول بحسب تعريفه. فالأرقام لا تشمل كل أنواع القضايا، ولذلك ينبغي عدم مقارنتها مباشرة بمؤشرات أخرى تختلف في نطاقها أو طريقة جمعها.

السلامة بعد الكارثة: من الضرر إلى المعرفة

تضم المواد اليابانية أيضاً تقارير عن أضرار المباني بعد زلزال شبه جزيرة نوتو في عام 2024. وتشمل هذه التقارير أضرار المباني الخشبية، وأضرار تسونامي، وأضرار أسقف القرميد، إضافة إلى أضرار الأساسات والتربة، وأضرار المباني المصنوعة من الخرسانة المسلحة وغيرها، وكذلك أضرار التجهيزات التي تؤثر في إمكانية استمرار استخدام المبنى بعد الزلزال.

أهمية هذه التقارير لا تقتصر على وصف ما تهدم. فهي تنقل النقاش من سؤال «ما حجم الضرر؟» إلى سؤال أكثر فائدة: ما الأجزاء التي تضررت، وما الذي ينبغي فحصه، وكيف يمكن تقييم استمرار استخدام المبنى بعد وقوع الحدث؟ هذه طريقة في بناء السلامة تعتمد على التعلم من الوقائع المسجلة، ويمكن ترجمة نتائجها إلى سياقات مختلفة بحسب طبيعة المباني والمخاطر المحلية.

وتظهر في المواد كذلك تقارير عن حريق واسع النطاق في مدينة أويتا، وعن أبحاث تتعلق بإسكان المتضررين من الزلازل. ويشير تنوع الموضوعات إلى أن إدارة المخاطر لا تتوقف عند لحظة الإنقاذ، بل تمتد إلى السكن، وفحص المباني، وتوثيق الأضرار، ودراسة احتياجات السكان بعد الكارثة.

الحرارة جزء من سياسة السلامة

تتناول تقارير معهد فوكوكا للبيئة والصحة العلاقة بين مؤشر الحرارة المعروف باسم WBGT وعدد الأشخاص الذين نقلوا إلى المستشفى بسبب ضربة الحرارة. وتشمل المواد عرضاً عن عام 2022، وتقريراً يغطي الفترة من عام 2014 إلى عام 2023.

وجود هذه التقارير إلى جانب إحصاءات الجرائم وأبحاث الزلازل يوضح أن مفهوم السلامة العامة أوسع من الأمن الجنائي. فالحرارة الشديدة قد تتحول إلى خطر على الصحة والقدرة على الحركة والعمل، ولذلك يصبح جمع البيانات المحلية وسيلة لفهم متى تزداد الحاجة إلى التنبيه والاستعداد. ولا تقدم هذه المواد حكماً طبياً فردياً، لكنها تبرز قيمة المؤشرات التي تربط الظروف البيئية بحالات النقل الإسعافي.

ما الذي يمكن أن يتعلمه القارئ العربي؟

الدرس الأهم ليس نسخ مؤسسة أو قانون من بلد إلى آخر. بل هو بناء نظام معلومات متعدد الجوانب: إحصاءات واضحة للقضايا، وتقارير فنية عن المباني، وبيانات عن الحرارة، ومراجعة مستمرة لما يحدث بعد الكوارث.

وتساعد هذه المقاربة على تجنب صورتين ناقصتين. الأولى هي اعتبار السلامة مجرد انخفاض في الجرائم. والثانية هي التعامل مع الكوارث والحرارة كأحداث منفصلة لا علاقة لها بالتخطيط المؤسسي. عندما تُقرأ البيانات معاً، يظهر أن الأمان منظومة تشمل العدالة، والهندسة، والصحة العامة، واستمرارية السكن والخدمات.

وبالنسبة إلى الدول العربية، يمكن الاستفادة من هذا المنهج على مستوى المبدأ: تحديد ما الذي يُقاس، وبيان الفترة الزمنية، وشرح ما يدخل في المؤشر وما يُستبعد منه، ثم نشر النتائج بطريقة تسمح للناس والباحثين بفهمها. فالثقة لا تُبنى بالأرقام الكبيرة وحدها، بل بوضوح تعريفها وحدودها أيضاً.

الخلاصة

تقدم المواد المتاحة عن اليابان صورة للسلامة بوصفها عملاً متراكماً. فهناك أرقام عن القضايا المقبولة والمنجزة في عامي 2023 و2024، وتقارير فنية عن أضرار الزلازل والحرائق، ودراسات تربط WBGT بالنقل بسبب ضربة الحرارة. هذه ليست مؤشرات متطابقة، لكنها تلتقي في فكرة واحدة: المجتمع الأكثر استعداداً هو الذي يحول الحوادث والمخاطر إلى معرفة قابلة للمراجعة، ثم يستخدم تلك المعرفة لتحسين فهمه للسلامة.

##出典